رومانسيه ومشاكل
انت دلوقتي مش مسجل
يشرفنا انك تسجل معانا
وتنضم لاسترتنا الصغيره


 
الرئيسيةبحـثالأعضاءالتسجيلالتسجيلدخول

شاطر | 
 

  التّربية الاجتماعية : الإيثار ـ العفو ـ الجرأة ـ

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
m.rashed

avatar

عدد المساهمات : 541

السٌّمعَة : 2

تاريخ التسجيل : 17/04/2010

العمر : 25

المزاج : عادي

Adds
الساعه الان الساعه الان:
عدد الزوار عدد الزوار:


مُساهمةموضوع: التّربية الاجتماعية : الإيثار ـ العفو ـ الجرأة ـ   السبت أكتوبر 23, 2010 10:48 am



بسم الله الرحمن الرحيم



الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

أيُّها الأخوة المؤمنون ، مع الدرس الخامس عشر من دروس تربية الأولاد في الإسلام ، ولازلنا في موضوع التربية الاجتماعيّة ، أو مسؤوليّة الأب عن ابنه في موضوع التربية الاجتماعيّة .



Text Box: المؤمن يتمتّع بالإيثار وغير المؤمن يتمتّع بالأثرة :



قد تحدّثنا عن خصائص هذه التربية وهي أن يغرس الأب أو المربّي في نفس ابنه الأخوة الصادقة ، والرحمة ، والتقوى ، والآن ننتقل إلى موضوعاتٍ أُخرى متعلّقةٍ في التربيّة الاجتماعيّة ، من هذه الموضوعات الإيثار

أيُّها الأخوة ، إمّا أن تؤثر ، إما أن تتمتّع بالإيثار ، أو بالأَثَرة ، الأثرة : الأنانية . لكنّ الأنانيّة مصدر صناعي غير صحيح .

لأنّ أيّ كلمة في اللغة العربية يمكن أن نضيف إليها ياء النسبة ، فتصبح مصدراً مثال ذلك : شعب ، شعبيّة ، كتاب ، كتابيّة ، لكن لا يصاغ من الأدوات مصادر مثل : أنا ، أنانيّة ، هذه الكلمة غلط شائع ، أو غير ، غيريّة ، الصواب : الأنانيّة صوابها الأثرة ، والغيريّة صوابها المؤاثرة .

بادئ ذي بدء ، المؤمن من صفاته الأساسيّة الإيثار ، يؤثر أخاه المؤمن في كلّ شيء ، وإذا أردْت أن تفرّق بين المؤمن وغير المؤمن ، فالمؤمن يتمتّع بالإيثار ، وغير المؤمن يتمتّع بالأثرة ، أي بأبسط حالة الكبيرة له ويأخذها ، السرير بجوار النافذة له ، المقعد إلى جنب النافذة بالسيّارة له ، فدائماً يختار أحسن شيء ، ويسبق إليه ، المؤمن دائماً يفضّل أخاه عنه ، فإن أردْت صفةً ثابتةً في المؤمن هي المؤاثرة ، لأنّ الله عزَّ وجلَّ قال :

( سورة الحشر : آية " 9 " )

لو تتبّعت تاريخ الصحابة الكرام ، لوجدْت أنّ كلّ أصحاب رسول الله يتمتّعون بهذه الصفة بل هي صفة المؤمنين عامّةً لكن هناك نقطة دقيقة جدّاً ، لا مؤاثرة في الخير ، والخير كلُّه في المؤاثرة ، احفظوا هذه القاعدة السابق ذكرها أي أن تؤثر إنساناً على طاعة الله فهذه المؤاثرة مرفوضة ، أن تؤثر كائناً من كان على طاعة الله ، من أجل فلان من النّاس تركت الصلاة حتّى لا أُزعجه ، هذا كلُّه مرفوض ، من أجل أن أُرضي أمّي طلّقت زوجتي ، لا ، هذه ليست مؤاثرة ، فالمؤاثرة لا يمكن أن تقبل إذا آثرت مخلوقاً وعصيت خالقاً ، إذا آثرت مخلوقاً على حساب مخلوق آخر ، آثرت مخلوقاً فأكرمته ، وأسأت إلى مخلوقٍ آخر ، هذا الإيثار مرفوض ، فدققوا : لا مؤاثرة في الخير .



Text Box: لا مؤاثرة في الخير والخيرُ كلُّه في المؤاثرة :



أنا سأجلس مع هذه الفتاة من أجل أن أهديها إلى الله ، أنت جالس في معصية ، هذه ليست مؤاثرة ، آثرتها على ربّك ؟ لها ربُّها ، هناك أُناسٌ كثيرون يتوهّمون أنّهم يؤثرون وهم في الحقيقة مع الشيطان لأنّه قيل : دع خيراً عليه الشرُّ يربو ، والقاعدة الشرعيّة تقول : ترك المفاسد مقدّمٌ على جلب المنافع ، أريد أن أوضّح هذه القاعدة : لا مؤاثرة في الخير ، أي لا يمكن أن يُقبل منك عملٌ تحابي به إنساناً على حساب طاعتك لله ، أو على حساب اتصالك بالله ، أو على حساب مرضاة الله ، أو على حساب إقامة أمر الله ، لا مؤاثرة في الخير .

أخوان قال أحدُهما : أنا لن أُقدّم خدمات لأُمّي حتّى أُفسح المجال لأخي أن يفعل ذلك فيرقى عند الله ، هذا كلامٌ مضحكٌ ، لا مؤاثرة في الخير ، لا ينبغي أن تؤثر أحداً في مرضاة الله ، وفي طاعة الله وفي القرب من الله ، وفي إقامة أمر الله ، لا مؤاثرة في الخير والخيرُ كلُّه في المؤاثرة ، أي أنّ الصفة الأساسيّة في المؤمن أنّه يؤثر .

مثلاً اثنان في سفر ، المؤمن الصادق يعطي أفضل محل لأخيه ، وأحسن سرير لأخيه ، يقوم ويعمل ويقدِّم لأخيه ، وبالتعبير الحديث : المؤمن يبني أي يبني حياته على أساس المؤاثرة ، حتّى يرضي الله لأنّك إن آثرته فسيؤاثرك هو كذلك ، ويصبح التنافس بالمؤاثرة لا بالأثرة ، لا بدّ من تنافس ، إمّا أن يقوم التنافس على المؤاثرة ، وإمّا أن يقوم على الأثرة ، وشتّان بين المتنافسين .

لو فرضنا على الطعام في مودّة ، أي هذه القطعة الطيّبة من الخبز قدمها إلى أخيك ، وهو كذلك بشر من لحم ودم فسيقدّم اللحم لك ، قدّم له المكان المريح وأجلسه فيه ، أي أنّك إذا أردت أن يرضى الله عنك فاجعل حياتك قائمةً على المؤاثرة .



Text Box: الأثرة صفةٌ شهوانيّة لكنّ المؤاثرة صفةٌ رحمانيّة :



إذا عوّدت أولادك أو تلاميذك أو من عندك في العمل أن يؤثر بعضهم بعضاً فأنت في خير ، هذا هو الإيمان .

لكن إيّاك أن تفهم المؤاثرة على أن تؤثر أخاك وتعصي ربّك ، أن تؤثر مخلوقاً وتعصي خالقاً ، هذه مرفوضة ، واحفظ هذه القاعدة : لا مؤاثرة في الخير ، والخيرُ كلُّه في المؤاثرة .

سبحان الله عندما تكون المؤاثرة موجودة ، تجد المحبّة موجودة ، أينما جلست فدائماً قدّم أخاك على نفسك ، ميّزه على نفسك ، وعندما يختار الإنسان أحسن شيء ، أحسن محل ، وأحسن سرير ، وأخذ الكبيرة سلفاً ووضعها بجواره وأمّن عليها هذا الإنسان مكروه ، و يسمّونه أنانياً ، أو يتمتّع بالأثرة ، والأثرة صفةٌ شهوانيّة ، ولكنّ المؤاثرة صفةٌ رحمانيّة .

لا تنسَ أنّ الله سبحانه وتعالى أثنى على أصحاب رسول الله بآيةٍ كريمةٍ تتلى إلى يوم القيامة قال :

( سورة الحشر : آية " 9 " )

يؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ، فهل كان لك صديق مؤمن في ضائقة ماديّة ذات مرّة وقدّمت له شيئاً من المال وأنت في أمسِّ الحاجة إليه ؟ هكذا يكون المؤمن ، هل حاولت أن تؤاثر أخاك بشيء ثمين ؟ والله أعرف شخصاً له بيتٌ هيّأه للزواج وله أخ ، فوجد أنّ أخاه أكثر حاجةً منه لهذا البيت ، فأخوه متزوّجٌ وأُخلي من بيته وعنده أولاد ، قال له : تعال وخذ هذا البيت ، هل من المعقول أنّ الله عزَّ وجلَّ يضيِّع هذا الإنسان ويجعله بلا بيت ؟ ولكنه عملٌ يتطلّب الإيمان .



Text Box: ابنِ حياتك على المؤاثرة وعلّمها لأولادك : :



ابنِ حياتك على المؤاثرة ، وعلّم أولادك المؤاثرة ، فإذا لاحظتهم آثر بعضُهم بعضاً ، فأثن ِعليهم وكافئهم ، فمن يقدّم المحل الجيّد لأخيه ، والأكلة الطيّبة لأخيه ، أصبح البيت جنّة ، تجد البعض أحياناً يتقاتلون ويتنازعون على قطعة من الحلوى ، هذه لي ، وهذه لك ، فأنت إذا كنت بطلاً فعلّم أولادك أن يتشاحنوا على المؤاثرة لا على الأثرة ، هذه لك فيعطيه الأحسن ، ففي الآية السابقة التي ذكرناها قال تعالى :

( سورة الحشر : آية " 9 " )

الله يقدّر ، فكيف يقدّر ؟ قال تعالى :

( سورة المزمل : " آية 20 " )

يقدّر كلّ شيء ، يقدّر حجم تضحيتك ، يقدّر شدّة احتياجك لهذا الشيء وقدّمته لأخيك ، يقدّر أنّك بضائقة ماليّة شديدة ، ومعك الخمسة آلاف فقط وأخوك على وشك الزواج فقدّمتها له ، فالله يقدّر ويكافئ ، وما أجمل مجتمع المؤمنين كلٌ منهم يؤثر أخاه وفي النهاية الله عزَّ وجلَّ يكافئ الجميع .



Text Box: بعض صور الإيثار من سير صحابة رسول الله :



هذا الإيثار الطوعي ، التعاطف الاجتماعي ، يتجلّى في أخلاق المؤمنين ، والحقيقة لا تظن أن المؤمن هو الذي يصلّي ويصوم ويؤدّي الشعائر التعبُّديّة ، المؤمن الحق هو الذي تجده في المؤاثرة ، في البذل ، فالله عزَّ وجلَّ قال :

( سورة آل عمران : آية " 133 ، 134 " )

ألا يلفت نظركم أنّ الله عزَّ وجلَّ بدأ بصفة الإنفاق ؟ لأنّ الإنفاق فيه بذل ، الإنفاق يؤكَّد الإيمان ، البذل والتضحية تؤكّد الإيمان ، أمّا الكلام يظلَّ كلاماً ، والمواقف غير الإيجابيّة أي السلبيّة هذه لا تؤكّد الإيمان في النفس .

الآن إليكم بعض صور الإيثار من سير صحابة رسول الله رضوان الله تعالى عليهم ، ذكر الغزَاليُّ في الإحياء عن ابن عمر رضي الله عنهما قال : أُهدي إلى رجل من أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم رأس شاةٍ فقال : فلان أَحوج إليه منّي ، فبعث به إليه ، فبعثه هو أيضاً إلى آخر يراه أحوج منه ، فلم يزل يبعث به واحدٌ إلى آخر حتّى رجع إلى الأوّل بعد أن تداوله سبعة .

أي لو فرضنا قطعة لحم جاءتك فقل : والله فلانٌ أحوج منّي ، وأرسلتها له ، وفلان قال : فلان أحوج منّي ، إذاً يوجد إيمان ، فالله عز وجل يرضى عن هؤلاء المؤمنين .

أذكر قصّة أنَّ أصحاب النبيّ رضوان الله تعالى عليهم كانوا في سفر وكانوا جائعين ، وقفوا عند خيمةٍ ما عندهم إلا خبز ، وبكمّية قليلة ، فارتأى أميرهم أن يقسّم الرغيف إلى قطعٍ صغيرة وأن توضع بين أصحاب النبيّ ليأكلوا ، فأكلوا ، وأكلوا ، وأكلوا ثمَّ أضاؤوا المصباح فإذا بالطعام كما هو ، كان كلّ واحدٍ منهم يتظاهر بأنّه يأكل ليفسح المجال لأخيه أن يأكل ، والثاني يفعل الشيء ذاته ، هذا هو مجتمع الصحابة ، مجتمع الإيثار .



Text Box: الإسلام مواقف فأنت مؤمن بقدر ما أنت تؤثر :



الآن تجد عند السفر للحج والكل حجيج ، مئتان من الركّاب لمئتين من المقاعد بالطائرة ، وتجدهم يتقاتلون على الصعود للطائرة ، ولو فكّروا ثانية واحدة فالكل له مكانه ، وهم حجّاج ، يتنافسون ، ويتدافعون ، ويتضاربون أحياناً من أجل أن يصعدوا مبكّرين إلى الطائرة مع أنّه لكلّ واحدٌ منهم مكانٌ في الطائرة .

لذلك أيُّها الأخوة الكرام الإسلام ليس كلاماً ، ولا ثقافةً ، ولا تبجُّحاً ، ولا كلاماً جميلاً هكذا يلقى ، لكنّ الإسلام مواقف ، فأنت مؤمن بقدر ما أنت تؤثر ، آثر أخاك ، إذا أردت أن توجد محبّة حقيقيّة وتتغلغل إلى أعماق الإنسان ، إذا أردْت أن تشعر بعظمة الإيمان عليك أن تؤثر حتّى يشدّ الناس إليك ، فالذي يؤثر النّاس يحبُّه النّاس جميعاً .

هذه زينب الأسديّة أُمُّ المؤمنين التي كانت تلقّب بأُمِّ المساكين لإيثارها ومواساتها ، فقد روى ابن سعد في طبقاته أنّ برزة بنت باتع حدّثت أنّه لمّا خرج العطاء أرسل عمر بن الخطّاب رضي الله عنه نصيبها منه ، فلمّا دخل عليها حامل المال ، قالت : غفر الله لعمر ، غيري من أخواتي كان أقوى على قسم هذا منّي ، ظنّت أنّها كلِّفت أن تقسم هذا المال بين أخواتها ، فقالوا : هذا كلُّه لك ، قالت : سبحان الله واستترت منه بثوبٍ ثمّ قالت : صبّوه واطرحوا عليه ثوباً ، قالت راوية القصّة : ثمّ قالت لي أدخلي يدك فاقبضي منه قبضةً فاذهبي بها إلى بني فلان ، وبني فلان ، من أهل رحمها وأيتامها ، فقسمت حتّى بقيت منه بقيّةٌ تحت الثوب ، فقالت لها برزة بنت باتع : غفر الله لك يا أُمَّ المؤمنين والله لقد كان لنا في هذا حقّ ، فقالت : فلكم ما تحت الثوب ، فكشفنا الثوب فوجدنا خمسةً وثمانين درهماً ، من كلّ هذا المبلغ الكبير الذي جاءها من سيّدنا عمر :

( سورة الحشر)

من أعجب مواقف الإيثار وهذا الذي لا يصدّق ما روى القرطبي ، قال : ذكر العدوي قال : انطلقت يوم اليرموك أطلب ابن عمٍ لي ومعي شيءٌ من الماء ، وأنا أقول إن كان به رمقٌ سقيته فإذا أنا به ، فقلت : أسقيك ؟ فأشار برأسه أن نعم ، فإذا برجل يتأوه ، فأشار إليَّ ابن عمّي أن انطلق إليه ، فإذا هو هشام بن العاص ، فقلت أسقيك ؟ فأشار أن نعم برأسه ، فسمع آخر يتأوه ، فأشار هشام أن انطلق إليه فإذا هو قد مات ، فرجعت إلى هشام فإذا هو قد مات ، فرجعت إلى ابن عمّي فإذا هو قد مات ، ولم يشرب أحدٌ الماء لإيثار كلِّ واحدٍ منهم أخاه وهو في آخر لحظات حياته .



Text Box: الإيثار أحد الأسباب التي تُؤهّل الطفل أن يكون اجتماعيّاً :



أخواننا الذين يعرفون في الطب ، الجريح يشعر بحاجةٍ إلى الماء تفوق حدّ الخيال فمن الممكن أن يشتري الجريح كأساً من الماء بخمسمئة ليرة لشدّة حاجته للماء ، فعندما ينحجم الإنسان يشعر بعطشٍ لا يحتمل ، والحجامة شيء بسيط ، فنقص الدم يسبب عطشاً كبيراً .

قرأت قصّة كانت مقرّرة في الصفّ العاشر ، باخرة من البواخر العملاقة غرقت في المحيط الأطلسي ، وبعض ركابها الناجين ركبوا قارباً كبيراً للنجاة ، وكان يوجد فيه كميّة من الماء ، نصف برميلٍ فرضاً ، فأمير هذا المركب أعطى أمراً أنّ كلّ إنسان ـ لأنّه في عرض المحيط الأطلسي المسافات طويلة جدّاً ، فحتّى يكفي الماء للوصول إلى الشاطئ ـ له في اليوم ملعقة ماء فقط ، وكان عدد الركاب يربو عن السبعين أو الثمانين راكباً ، وصل إلى الشّاطئ منهم أربعة ركّاب فقط ، لأنّهم قتلوا بعضهم بعضاً من أجل الماء ، فعندما يغفل واحدٌ من الركّاب يلقون به في البحر ، حتّى يأخذوا حصّته من الماء ، وهي قصّة واقعيّة ومشهورة جداً ، وهي مترجمة ، ويرويها أدباء كبار ، وهي مقرّرة في الكتب المدرسيّة ، ثمانون راكباً قتل بعضهم بعضاً من أجل ملعقة من الماء حتّى ينالها قبل أخيه ، وقد كانوا على وشك الموت وماتوا جميعاً ولم يشربوا ماءً .

القصّة الأولى تبيّن تربية الإسلام ، الإسلام لو كان كما ينبغي أن يكون بين النّاس لوجدت مجتمعاً الحياة فيه جنّة ، فقد قال النبيّ الكريم :

(( إذا كان أمراؤكم خياركم ، وأغنياؤكم سمحاءكم ، وأمركم شورى بينكم ، فظهر الأرض خير لكم من بطنها ، وإذا كان أمراؤكم شراركم ، وأغنياؤكم بخلائكم ، وأمركم إلى نسائكم ، فبطن الأرض خير لكم من ظهرها )).

[ الترمذي عن أبي هريرة ]

بالطبع فكلُّكم يعلم أنّ أصحاب رسول الله من الأنصار كان أحدهم يقول لأخيه المهاجر : عندي بستانان خذ واحداً منهما ، عندي بيتان خذ واحداً منهما ، فكان يقول هذا المهاجر : بارك الله لك في بستانك ، ولكن دُلّني على السوق .

الأوّل بذل والثاني تعفّف ، الآن يوجد اختلافٌ كبير بين الماضي والحاضر .

إذاً الإيثار أحد الأسباب التي تُؤهّل الطفل أن يكون اجتماعيّاً ، فالذي يؤثر نفسه على الآخرين هذا ليس أهلاً أن يعيش في مجتمع ، أمّا الذي يؤثر الآخرين على نفسه ، هذا مؤَهّل أن يكون في المجتمع محبوباً .



Text Box: سلوك العفو من الصفات التي ينبغي أن يبثها الآباء في نفوس أبنائهم : :



قصّة أرويها دائماً ، فلاح أعطوه أرضاً ، حوالي عشرين دونماً ، وأساسها لإقطاعي ، ولهذا الفلاح شيخ ، فقال له : يا سيّدي أعطوني هذه الأرض ، وهي في الأصل لفلان ، فقال له : لا يجوز يا بنيّ أن تأخذها فهذه أرض مغتصبة ، عليك أن تردّها إلى صاحبها ، أو أن تشتريها منه ، وهو فرح فرحاً شديداً ، وقد أذهب له شيخه هذا الفرح بقوله له : لا يجوز ، وحاول أن تشتريها منه ، فذهب إليه وقال له : يا سيّدي ، أعطوني عشرين دونماً من أرضك ، فسألت شيخي فقال : هذه حرام ، فهل تبيعُني إيَّاها تقسيطاً وسأبيع حليّ زوجتي ؟ فقال له هذا الإقطاعي : والله لقد ذهب منّي مئتا دونم ولم يأتِ أحدٌ إلي ويقول مثل ما تقول إلا أنت ، فهذه الأرض هديّةٌ منّي إليك ، فتملّكها هنيئاً لك .

الورع جعله يسأل ، وبسبب السؤال أعطاه الله عزَّ وجلَّ إيّاها حلالاً طيّباً ، فالإنسان لا يتسرّع ، بل يتريّث ، ويتحرّى الحلال والله موجودٌ وكريمٌ .

الآن ننتقل إلى صفةٍ أُخرى ينبغي أن يبُثّها المربّون أو الآباء في نفوس أبنائهم وهو سلوك العفو ، فالله عزَّ وجلَّ قال :

( سورة الأعراف : آية " 199 " )

كلمة خذ ماذا تعني ؟ خذ من الله ، فكلّما كان الإنسان عظيماً وقال لك : خذ هذا ، يعني هذا أنها قطعة من الألماس ، أو سبيكة من الذهب ، أو ورقة تملُّك ، خذ ، فالله عزَّ وجلَّ قال :

( سورة الأعراف : آية " 199 " )

العفو شيء ثمين جدّاً ، هو يرقى بالإنسان ، فالمنتقم صغير ، والعفو كبير ، سيّدنا النبيّ عليه الصلاة والسلام ماذا فعلت به مكّة ؟ ائتمرت على قتله ، أخرجته ، وناصبته العداء عشرين عاماً ، ونكّلت بأصحابه ، لم تدع أسلوباً يضايق النبيّ وأصحابه إلا فعلته ، ثمّ فتحت مكّة وكانت في قبضة النبيّ ، وكانت عشرة آلاف سيف متوهّجة تنتظر أمر النبيّ في قريش ، وقال عليه الصلاة والسلام : ما تظنّون أني فاعلٌ بكم ؟ قالوا : أخٌ كريم ، وابن أخٌ كريم ، فقال : اذهبوا فأنتم الطلقاء .



Text Box: العفو يرقى بالمؤمنين ويزيل الأحقاد بينهم :



يوجد كاتب للسيرة بريطاني أسلم وكتب كتاباً عن سيرة النبيّ عليه الصلاة والسلام قال : لا يسمّى العفوّ عفوّاً إلا بحالة خاصّة جداً ، أن يكون هناك شخصٌ قد بالغ في الإساءة إليك ، بالغ ، ونكّل بك ، ثمّ تتمكّن منه بحيث يصبح في قبضتك ، عندئذٍ تعفو عنه ، هذا هو العفو الذي يرقى بك ، أن يكون إنسان قد بالغ بالإساءة إليك ، وتمكّنت منه وهو في قبضتك ثمّ تعفو عنه ، هذا هو العفو ، أمّا عفو الضعفاء ليس عفواً .

العفو أيُّها الأخوة ، هو الذي يرقى بالمؤمنين ، هو الذي يزيل الأحقاد بينهم ، العفو دائماً عظيم ، وكريم ، ومحبوب ، وليس له أعداء ، أمّا لو أنّك انتقمت من عدوٍ لك ، هذا الذي انتقمت منه لا ينام الليل وهو يكيد لك ، أفقدك الأمن ، وأورثته الحقد بانتقامك ، وأورثك الحقد أيضاً بكيده لك ، فالعفو يرقى ، والمنتقم يسفل ، العفو كبير ، والمنتقم صغير ، قال تعالى:

( سورة البقرة : آية " 237 " )

أحياناً يخطب إنسان فتاة ، فيعقد عقده عليها والمهر مئة ألف ، فيبدو له شيء ، فيندم على هذا العقد ، ويقول : أريد أن أنسحب من هذا الزواج ، والزواج لم يستمر سوى ليلتين ، فقد سهر عندهم سهرة عشاء وكلّفه ذلك دفع خمسين ألفاً مهراً لها ، فالله عزَّ وجلَّ قال :

(سورة البقرة)

قد عفوا عنك وسامحوك ، فالله عزَّ وجلَّ توجّه لهذا الذي عفي عنه ، قال تعالى :

(سورة البقرة)

أنت كذلك قدِّم هديّة لهم ، فهم قد عفوا عنك ، وأنت لا تنسَ هذا الفضل ، فانظر إلى التوجيه القرآني ، وجّه صاحب الحق أن يعفو ، وطلب ممن عُفي عنه أن لا ينسى الفضل ، فقدّم شيئاً مقابل هذا العفو .



Text Box: النبي عليه الصلاة والسلام مثلنا الأعلى في الوفاء والرحمة والعفو :



الإنسان عندما يبذل ويكافئ على المعروف بمعروف آخر تتنامى هذه المودّة بين المؤمنين ، فقد قال تعالى :

( سورة فصلت : آية " 34 " )

هذه أخلاق المؤمنين ، فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم ، كلُّكم يعلم أنّ حاطب بن أبي بلتعة صحابيّ ، لكن زلّت قدمه ووقع فيما يسمّى بالعرف اليوم الخيانة العظمى، أرسل كتاباً إلى قريش مع امرأة يقول في هذا الكتاب : إنّ محمّداً يزمع أن يغزوكم فخذوا حذركم ، هذا العمل في أي عرف دولي يُعدُّ خيانة عظمى يستوجب الإعدام .

جاء الوحي الأمين إلى النبيّ عليه الصلاة والسلام ، أخبره بهذه الواقعة ، فاستدعى أحد أصحابه ، وأمره أن يتبع المرأة ، وأن يأخذ منها الكتاب , والقصّة طويلة ، وجيء بالكتاب إلى النبيّ ، وقد كتب فيه هذا الصحابيّ : إنّ محمداً يزمع أن يغزوكم فخذوا حذركم ، فاستدعاه النبي وسيّدنا عمر واقف فقال : يا رسول الله دعني أضرب عنق هذا المنافق ، سيّدنا رسول الله الوفاء الذي عنده عجيب ، قال : يا عمر إنّه شهد بدراً ، لم يهدر له عمله ، فقال له : إنّه شهد بدراً ، يا حاطب ما حملك على أن فعلت ما فعلت ؟ قال : والله يا رسول الله ما كفرت ولا ارتددت ، ولكن أردت أن يكون لي عندهم يد ، فليس لي هناك أهلٌ يحمونني ، ولي عندهم مال ، أردْت بهذا أن يكون لي عنهم يد .

النبيّ عليه الصلاة والسلام وهو قمّة الوفاء والرحمة والعفو قال بالحرف الواحد : إنني صدّقته فصدّقوه ، ولا تقولوا فيه إلا خيراً . يروي كتّاب السيرة أنّ النبيّ عليه الصلاة والسلام نظر إلى صاحب الذنب فرأى لحظّة ضعفٍ طارئة ألمّت به ، أراد أن ينهضه من كبوته ، وأن يعينه على شيطانه ، لكنّ عمر كما يروي كتّاب السيرة نظر إلى الذنب فرآه خيانة عظمى ، والذي يثير العجب أنّ حاطب بن بلتعة، حسن إسلامه وصار مقرّباً من النبيّ عليه الصلاة والسلام وأرسله في مهمّةٍ خاصّة أي أصبح موفده الشخصيّ إلى بعض الملوك ، فلو أنّه قطع رأسه بالحقّ قطعها ولكن بذلك أورده إلى النّار ، لكن بعفوه جعل من هذا المذنب الخائن إنساناً عظيماً ، وأنت لا تعرف أحياناً كم يكون العمل طيّباً إذا عفوت عن إنسان مذنب نادم ، المذنب غير النادم له وضع آخر ، أمّا المذنب النادم ينبغي أن تعفو عنه .



Text Box: الكبير هو الذي يعفو والصغير هو الذي لا يعفو :



عندما تروي لأولادك ، أو عندما يروي المعلّم لطلاّبه هذه القصص ، عفو النبيّ عن أهل مكّة .

ذات مرّة ثمامة بن أثال وهو زعيمٌ لقبيلة وقتل عدداً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقع أسيراً ، والذين أخذوه أسيراً لم يعرفوا أنّه ثمامة ، وجاؤوا به إلى النبيّ وقيّدوه في سارية المسجد ، والنبيّ مرّ به ، فقال : هذا ثمامة ، ما عندك يا ثمامة ؟ فقال ثمامة : إن تقتلْ تقتل ذا دم ـ أي يستحقّ القتل لأنّه قاتل ـ وإن تعفُ تَعفُ عن شاكر ، وإن أردْت المال فخذ منه ما تشاء ، فتركه النبي لليوم الثاني وأمر بإحضار طعامٍ له من بيته ، فأكل ، وفي اليوم الثاني سأله : ما وراءك يا ثمامة ؟ فأعاد له الكلام : إن تقتل تَقتل ذا دم ، وإن تعفُ تَعفُ عن شاكر ، وإن أردْت المال فخذ منه ما تشاء ، وفي اليوم الثالث النبيّ أمر بإطلاق سراحه ، فغاب مليّاً وعاد وقد اغتسل وأعلن إسلامه وذكر الشهادتين وقال : يا محمّد والله ما كان على وجه الأرض رجلٌ أبغض إليّ منك ، واليوم ما على وجه الأرض رجل أحبُّ إليّ منك ، وما كان دينٌ أبغض إليّ من دينك ، واليوم ما من دينٍ أحبُّ إليّ من دينك ، وذكر أشياء كثيرة .

ثمامة زعيم قبيلة على طريق الشام ، ذهب إلى مكّة معتمراً ، وهدّد قريشاً أن يقطع عنها القمح ، لأنّها كانت تأخذ القمح من عنده ، أي أنّ عفو النبيّ الكريم جعل من هذا الإنسان المجرم بطلاً ، فأحياناً يغلط الإنسان معك ويسيء إليك ، ولا تعلم كم يكون الخير لو عفوت عنه ، مرّة ثانية : الكبير هو الذي يعفو ، والصغير هو الذي لا يعفو ، والعظيم هو الذي يعفو ، والحقير هو الذي لا يعفو ، فقد قال تعالى :

( سورة فصلت : آية " 34 " )



Text Box: بعض الصور عن العفو : :



سيّدنا عمر عندما قال عن عمير بن وهب : دخل على رسول الله والخنزير أحبُّ إليّ منه ، وخرج من عنده وهو أحبُّ إليّ من بعض أولادي .

بالإسلام لا توجد عداوة أبداً ، أحياناً الإنسان يكره عمل الآخرين ، أمّا لو عادوا إلى الله عزَّ وجلَّ ينتهي كلّ شيء .

بعض الصور عن العفو ، قال عبد الله بن طاهر : كنت عند المأمون يوماً ، فنادى بالخادم يا غلام فلم يجبه أحد ، ثمّ نادى ثانياً وصاح : يا غلام ، فدخل غلامٌ تركيّ وهو يقول : أما ينبغي للغلام أن يأكل ويشرب ، ضجر الغلام ، كلّما خرجنا من عندك تصيح يا غلام يا غلام ، إلى كم يا غلام ، فنكس المأمون رأسه طويلاً ، قال : فما شككت بأنه يأمرني بضرب عنقه لأنه تطاول ، ثمّ نظر إليّ وقال : يا عبد الله إنّ الرجل إذا حسنت أخلاقه ساءت أخلاق خدمه ، وإنّا لا نستطيع أن نسيء أخلاقنا حتّى نحسن أخلاق خدمنا ، أي مضطرّون أن نفعل ذلك .

تجد أحياناً شخصاً مضيافاً فيطلب من أهل بيته إحضار قهوة وشاي ، حتّى يخرج أهل بيته عن طورهم ويتكلّمون بكلام لا يحكى ، فإذا حسنت أخلاق الإنسان بالمقابل ساءت أخلاق أهله .

يروى أنّ زين العابدين بن الحسين رضي الله عنهما استدعى غلاماً له ، فناداه مرّتين فلم يجبه ، فقال له زين العابدين : أما سمعت ندائي ؟ فقال : بلى قد سمعت ؟ قال : فما حملك على ترك إجابتي ؟ قال: أمنت منك ، وعرفت طهارة أخلاقك فتكاسلت ، فقال : الحمد لله الذي أمن منّي غلامي .

مرّة سيّدنا عمر قال له أحد الصحابة : إنّ النّاس خافوا شدّتك وبطشك ، فبكى ، قال : والله يا أبا ذر ، لو علم النّاس ما في قلبي من الرحمة لأخذوا عباءتي هذه ، لكنّ هذا الأمر لا يناسبه إلا كما ترى .



Text Box: على الإنسان أن يتصرف بحسب مكانته لا بحسب ما يستوجب الطرف الآخر :



الأمر يحتاج إلى شدّة ظاهرة ، مما يروى عن زين العابدين أيضاً أنّه خرج مرّةً إلى المسجد فسبّه رجل ، فقصده غلمانه ليضربوه ويؤذوه ، فنهاهم زين العابدين وقال لهم : كفّوا أيديكم عنه ، ثمّ التفت إلى ذلك الرجل وقال : يا هذا أنا أكثر مما تقول ، وما لا تعرفه عنّي أكثر مما عرفته ، فإن كان لك حاجة في ذكره ذكرته لك ، فخجل الرجل واستحيا ، فخلع له زين العابدين قميصه وأمر له بألف درهم ، فمضى الرجل وهو يقول : أشهد أنّ هذا الشّاب ولد رسول الله عليه الصلاة والسلام .

فأنت تتصرّف بحسب مكانتك ، لا بحسب ما يستوجب الطرف الآخر ، بل بحسب مكانتك ، اصنع المعروف مع أهله ومع غير أهله ، فإن أصبت أهله أصبت أهله ، وإن لم تصب أهله فأنت أهله .

مرّة النبيّ الكريم ، يبدو أنّ إنساناً تطاول على الإسلام فقال : من يقطع لسان هذا الرجل ؟ ماذا يفهم من كلمة : من يقطع لسانه ؟ أحدهم فهم أنّه يجب أن يقطع له لسانه ، أمّا في الحقيقة أراد أن تقطع لسانه بالإحسان إليه .

أحياناً الإنسان يبتلى بجار سفيه ، فإذا قدّم له هديّة وأكرمه فبذلك يقطع له لسانه ولا يوجد غير هذه الطريقة وهي ناجحةً جداً فالسفيه اقطع لسانه بالإحسان إليه .

يروى عنه أيضاً أنّ غلامه كان يصبُّ له ماءً بإبريقٍ مصنوع من الفخّار ، وقع الإبريق على رجل زين العابدين فانكسر وجرحت رجله ، فقال الغلام على الفور : يا سيّدي يقول الله عزَّ وجلَّ :

( سورة آل عمران : آية " 134 " )

قال زين العابدين : لقد كظمت غيظي ، فقال الغلام : ويقول :

( سورة آل عمران : آية " 134 " )

قال : قد عفوت عنك ، فقال الغلام : ويقول :

( سورة آل عمران : آية " 134 " )

قال له زين العابدين : اذهب أنت حرٌ لوجه الله :

( سورة آل عمران : آية " 134 " )

كسر الإناء ، وجرح رجله ، واعتقه لوجه الله ، هذه أخلاق المؤمنين .



Text Box: من عفا ساد ومن حلُم عظُم ومن تجاوز استمال إليه القلوب :



عن ابن عبّاسٍ رضي الله عنهما قال : لمّا قدم عُيينة بن الحصين ، نزل عند ابن أخيه الحرُّ بن قيس ، وكان النفر الذين يدنيهم عمر إذا كان القرّاء أصحاب مجلس أمير المؤمنين كهولاً كانوا أو شبّاناً ، فقال عيينة : استأذن لي على أمير المؤمنين ، فاستأذن له فلمّا دخل قال : يا ابن الخطّاب والله ما تعطينا الجزل الكثير ، ولا تحكم بيننا بالعدل ـ أي تطاول على سيّدنا عمر ـ فغضب عمر حتّى همّ أن يوقع به ، فقال الحرُّ بن قيس : يا أمير المؤمنين إنّ الله تعالى يقول لنبيّه :

( سورة الأعراف : آية " 199 " )

فو الله ما جاوزها عمر حين تلاها ، وكان وقّافاً عند كتاب الله عزَّ وجلَّ .

مرّة عبد الله بن الزبير بعث إلى سيّدنا معاوية كتاباً يقول فيه : أمّا بعد ، فيا معاوية إنّ رجالك قد دخلوا أرضي ، فانههم عن ذلك ، وإلا كان لي ولك شأنٌ والسلام ، وكان عند سيّدنا معاوية ابنه يزيد ، قال له : يا يزيد ما ترى في هذا الكتاب ؟ فقرأ يزيد الكتاب فاضطرب ، وقال : أرى أن ترسل له جيشاً ، أوّله عنده وآخره عندك يأتوك برأسه ، وكان سيّدنا معاوية حليماً فقال : خيرُ ذلك أفضل ، فجاء بالكاتب وقال له : اكتب ، أمّا بعد ، فقد وقفت على كتاب ولد حواريِّ رسول الله ولقد ساءني ما ساءه ، والدنيا كلُّها هيّنةٌ أمام رضاه ، لقد نزلت له عن الأرض وما فيها ، فأتى الجواب من عبد الله بن الزبير وفيه : أمّا بعد ، فيا أمير المؤمنين أطال الله بقاءك ولا أعدمك الرأي الذي أحلّك من قومك هذا المحل ، فجاء بابنه يزيد وأطلعه على الجواب وقال له : يا بنيّ من عفا ساد ، ومن حلُم عظُم ، ومن تجاوز استمال إليه القلوب .

ابن الزبير مواطن ، ومعاوية خليفة ، أرسل له كتاباً شديد اللهجة ، قاسياً ، فيه تطاول ، وعبد الله بن الزبير ولد حواريِّ رسول الله سيّدنا الزبير بن العوّام فقد قال له رسول الله : أنت حواريُّ هذه الأمّة .

كان رأي يزيد أن يرسل له جيشاً ليأتوا برأس عبد الله بن الزبير ، ولكن عفو سيّدنا معاوية عنه استمال قلب ابن الزبير إليه .



Text Box: العفو من شيم الكرام :



كلمّا عفوت تكون كبيراً جدّاً ، فالنّاس خضعوا وأحبّوا ووالوا وأيّدوا ونصروا بالعفو ، العفو من شيم الكرام .

سيّدنا أبو بكر الصدّيق كان يعطي لمسطح عطاءً وفيراً وتكلّم عن ابنته السيّدة عائشة كلاماً قبيحاً ، حديث الإفك ، ما زاد عن أن أمتنع عن العطاء ، ولكن الله عاتبه فقال :

( سورة النور : آية " 22 " )

إذا أحد الأشخاص تكلّم عن ابنتك وهي طاهرة أطهر من ماء السماء ، تكلّم في عرضها ، وأنت امتنعت عن مساعدته ، فالله عاتبه من أجل ذلك ، معنى ذلك فنحن مأمورون بالعفو ، أمر ، هذه المعاني تغيب عن بعض النّاس ، تجد الحقد يأكل قلبه ، ويتحرّك حركة عشوائيّة ، ويبحث عن انتقام ، يقول عليه الصلاة والسلام :

(( من كظم غيظاً وهو يستطيع أن ينفذه ، دعاه الله يوم القيامة على رؤوس الخلائق حتّى يخيّره في أيِّ الحور العين شاء .))

[أحمد عن سعد بن معاذ بن أنس]

انظر ، كظم غيظاً وهو قادرٌ على إنفاذه ، هذا مقام كبير جداً ، فمن الداخل يغلي غلياناً ومن الخارج ضابطٌ لأموره ، والنبي قال :

(( الإيمان قيد الفتك )) .

[ أخرجه البخاري عن أبي هريرة ، وأحمد و أبو داود عن معاوية ]

قال عليه الصلاة والسلام فيما رواه الطبرانيّ :

(( ألا أُنبّئكم بما يشرّف الله به البُنيان ويرفع الدرجات . قالوا : نعم يا رسول الله . قال : تحلُم على من جهل عليك ، وتعفو عمن ظلمك ، وتعطي من حرمك ، وتصل من قطعك )).
[رواه الطبرانيّ عن عبادة بن الصامت]

هذا الخلق الخامس في الأخلاق الاجتماعيّة .



Text Box: الجرأة أساس الحياة الاجتماعيّة الراقية : :



آخر خلق ينبغي أن يغرسه المربّي أو الأب في نفس ابنه الجرأة .

الحقيقة هناك فرق دقيق بين الجرأة والوقاحة ، فهناك مواقف فيها وقاحة ، لكن عندما يقدّم الإنسان رأيه الصحيح الصريح من دون خجل وبأدب فهذه جرأة ، والجرأة أساس الحياة الاجتماعيّة الراقية ، فتوجد مواقف قد سجّلها التاريخ لبعض العلماء ، ومن هذه المواقف :

أحد العلماء اسمه أبو حازم جرت بينه وبين سليمان بن عبد الملك محاورة ، قال سليمان : يا أبا حازم ما لنا نكره الموت ؟ فقال أبو حازم : لأنّكم خرّبتم آخرتكم ، وعمّرتم دنياكم ، فكرهتم أن تنتقلوا من العمران إلى الخراب ـ هذا أوّل جواب ـ قال سليمان : فكيف القدوم على الله غداً ؟ قال : أمّا المحسن فكالغائب يقدم على أهله ، وأمّا المسيء فكالعبد الآبق يقدم على مولاه ، قال سليمان : أيُّ القول أعدل ؟ قال أبو حازم : قول الحقِّ عند من تخافه أو ترجوه ـ أحياناً شخص تحبُّه حبّاً جمّاً وارتكب غلطة كبيرة أمامك ، فأنت تميل إلى أن لا تتكلّم معه ولا كلمة ، فالشخص كبير عظيم وله قيمته وارتكب غلطة كبيرة ، وأنت تعلم أنّها سلوكٌ منحرفٌ ، لكن لمكانته الكبيرة عندك ، أو لخوفك منه ، أو لطمعك بما عنده ترجو السلامة فتسكت ، هذا السكوت خطأ كبير ـ قال سليمان : فأيّ المؤمنين أكيس ؟ ـ أي أعقل ـ قال : رجلٌ عمل بطاعة الله ودلَّ النّاس عليها ، فقال سليمان : فأيُّهم أحمق ؟ قال : رجلٌ انحطَّ في هوى أخيه وهو ظالم فباع آخرته بدنيا غيره ـ أي أنّ أندم إنسان هو من باع آخرته بدنيا غيره ـ قال سليمان : هل لك يا أبا حازم أن تصحبنا فتصيب منّا ، ونصيب منك ـ نحن نعطيك وأنت تعلّمنا ـ قال : أعوذ بالله ، قال سليمان : ولمَ ذاك ؟ قال : أخشى أن أركن إليكم قليلاً فيذيقني الله ضِعف الحياة وضِعف الممات ، قال له سليمان وقد قام ليذهب : أوصني يا أبا حازم ، قال : سأوصيك وأوجز ، عظِّم ربّك ، ونزّه أن يراك حيث نهاك وأن يفقدك حيث أمرك .

هذا موقف فيه جرأة .



Text Box: الجرأة تنمّي الشخصيّة والخوف والسكوت يضعفها :



العزُّ بن عبد السلام قال مرّةً لسلطان مصر نجم الدين أيوب وكان في مجلسٍ حافل برجال الدولة : يا أيّوب ما حجّتك عند الله إذا قال لك : ألم أبوئ لك ملك مصر ثمَّ تبيح الخمور ؟ فقال : هل جرى هذا ؟ فقال: نعم ، إحدى الحانات يباع فيها الخمور ، وتستباح فيها المنكرات ، وأنت تتقلَّب في نعمة هذه المملكة ، فقال : هذا ليس عملي ، هذا من زمان أبي ، فقال العزُّ بن عبد السلام : أنت من الذين يقولون :

( سورة الزخرف : آية " 22 " )

أيضاً الأب والمربّي إن وجد من ابنه موقفاً فيه جرأة ينبغ ِأن يثني عليه لأنّ الجرأة تنمّي الشخصيّة ، والخوف والسكوت يضعفها ، فمن الجرأة أن تعوّد ابنك أن يقول الحق ولو كان مرّاً بدون وقاحة بالطبع .

قد ذكرنا : الجرأة والإيثار والعفو ، مع الرحمة في الدرس الماضي والأخوة والتقوى ، ستُّ صفاتٍ إذا غرستها في نفس ابنك أو نفس من تربّيه فقد أهّلته ليعيش في المجتمع ، أصبح محبوباً ، وأصبح إنساناً وعظيماً ، وأصبح يستقطب الناس بجرأته وإيثاره وعفوه ورحمته وأُخوَّته وتقواه ، ستّ صفات .

بالطبع الأولى أن نقول فاقد الشيء لا يعطيه ، فالمربّي والمعلّم والأب عليه أن يتمثّل هذه الصفات أوّلاً ، وأن يغرسها في نفس ابنه ثانياً ، عندئذٍ يرى الثمار يانعةً والحمد لله ربِّ العالمين .

الحمد لله ربِّ العالمين والصلاة والسلام على سيّدنا محمّد الصادق الوعد الأمين ، اللهمّ أعنا على دوام ذكرك وشكرك وحسن عبادتك ، وارزقنا الشوق إلى لقائك ، ولذّة النظر إلى وجهك الكريم ، اللهمّ أرنا الحقّ حقّاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه واجعلنا ممن يستمعون القول فيتّبعون أحسنه ، أدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

والحمد لله رب العالمين


********************* M . S ********************
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
التّربية الاجتماعية : الإيثار ـ العفو ـ الجرأة ـ
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
رومانسيه ومشاكل :: منتدي الصحه والجمال :: قسم الطفل-
انتقل الى: